محمد جواد مغنية

29

في ظلال نهج البلاغة

( ولا يشغله سائل ) لأن ذاته بما هي تحيط بكل شيء علما وقدرة ، وتقدم مثله في الخطبة 176 ( ولا ينقصه نائل ) . انه يعطي بلا حساب ، وخزائنه على ما هي ، لا فرق أنفق أو لم ينفق لأنها تستمد من قوة لا حد لها ولا نهاية ، والخزائن التي تنقص بالإنفاق تمتلئ بالكسب والجمع من هنا وهناك ( ولا ينظر بعين - إلى - الناس ) . انه تعالى قوة عليا فوق الطبيعة ، عالمة قادرة ، لا يقع عليها حس ، ولا تدخل في دائرة المشاهدة ، لأنها ليست بمادة كي تنظر وتلمس ، وتفتقر إلى حيّز ومكان ، وإذا عجزت العقول عن إدراكها فكيف تدركها الحواس ، وتقاس بالناس . انها تخلق بكلمة « كن » لا بآلة ومزاولة ، وتدبر بقوانين تودعها في الكائنات لا بجوارح وأدوات . ( الذي كلَّم موسى إلخ ) . . أي خلق الكلام في الشجرة فسمعه موسى ، كما في الآية 30 من سورة القصص : * ( « نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ » ) * فمن الشجرة متعلق بنودي ، فالشجرة بالنسبة إلى موسى كالأسطوانة بالنسبة الينا مع الفرق البعيد ، لأن الذي نسمعه من الأسطوانة خارج من فم ، ومسجل بآلة ، والكلام الذي سمعه موسى حل في الشجرة بمجرد الإرادة القدسية ( بل إن كنت صادقا - إلى - الخالقين ) . لا تحاول المحال بوصف اللَّه وتحديد ذاته . . وان أبيت إلا الفضول والتمحل فنحن نهون عليك ، ونكتفي منك أن تصف جبريل أو غيره من الملائكة الذين عجزوا عن وصفه تعالى ، وهم أقرب اليه منك وأعلم ، وإذا عجزت عن وصف المخلوق فأنت عن وصف الخالق أعجز . ( فإنما يدرك بالصفات إلخ ) . . الغرض واحد من اثنين : إما أن تكون له أعضاء وهيئة من الهيئات فتحده بها ، وإما أن يكون له أجل ينتهي بنهايته فتعرفه به ، واللَّه سبحانه لا حد له ولا نهاية ، ولا شكل هيئة ( فلا إله إلا هو أضاء بنوره كل ظلام ) أي ان العلم والعمل بدين اللَّه وحلاله وحرامه هدى ونور لا تضر معه أية صفة يراها الناس نقصا وظلاما كالفقر وقلة الرجال والأنصار ( وأظلم بظلمته كل نور ) . المراد بظلمته تعالى حجاب الجهل والمعصية بين اللَّه وعبده ، والمعنى ان الجهل بدين اللَّه أو العلم به بلا عمل ضلال وظلم لا يجدي معه أي وصف يراه الناس نورا وكمالا كالجاه والمال ، ومن أجل هذا قال الإمام : الغني والفقر بعد العرض على اللَّه .